أنجمينا: (شاري إنفو)

في حوار خاص، المستشار محمد يوسف الحسن يدافع عن استئناف التعاون العسكري مع باريس باعتباره فرصة لتعزيز القدرات الدفاعية التشادية، فيما يحذّر الباحث السياسي سعيد أبكر أحمد من تكرار التجربة السابقة، ويدعو إلى بناء قدرات وطنية مستقلة وتنويع الشركاء.


عاد مستقبل العلاقات الدفاعية بين تشاد وفرنسا إلى واجهة النقاش السياسي، في ظل التساؤلات بشأن طبيعة الشراكة التي يمكن أن تجمع البلدين بعد إنهاء الوجود العسكري الفرنسي في تشاد، وما إذا كان استئناف التعاون بينهما سيشكل فرصة لتعزيز القدرات الدفاعية الوطنية أم خطوة قد تعيد البلاد إلى دائرة الاعتماد الأمني على باريس.


وبين من يرى في التعاون الدفاعي وسيلة للاستفادة من الخبرات العسكرية والتقنية وتبادل المعلومات وتعزيز القدرات العملياتية، ومن يعتبره تكراراً لتجربة لم تحقق، في نظره، الاستقلال الدفاعي المنشود، تتباين التقديرات بشأن الضمانات اللازمة لحماية المصالح الوطنية التشادية.


وفي هذا الملف الخاص، تستضيف صحيفة «شاري إنفو» المستشار محمد يوسف الحسن، المؤيد لاستئناف التعاون الدفاعي مع فرنسا، والباحث في الشأن السياسي سعيد أبكر أحمد، المتحفظ لهذا التوجه، لعرض حجج الطرفين ومناقشة تداعيات هذه الخطوة على السيادة الوطنية ومستقبل المؤسسة العسكرية التشادية.


أولاً: محمد يوسف الحسن.. التعاون الدفاعي فرصة لتعزيز القدرات الوطنية
كيف تقيّم استئناف التعاون الدفاعي بين تشاد وفرنسا بعد انسحاب القوات الفرنسية؟


ينبغي أولاً إدراك أن تحقيق الأمن الوطني والقومي يمثل أولوية استراتيجية تدفع العديد من دول العالم إلى إبرام اتفاقيات دفاعية مع قوى إقليمية ودولية، بما يتناسب مع مصالحها واحتياجاتها الأمنية.


ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى استئناف التعاون الدفاعي بين تشاد وفرنسا باعتباره خطوة ذات أبعاد استراتيجية وسياسية وأمنية، خاصة في ظل التنافس الدولي والإقليمي على النفوذ في منطقة الساحل. فالعبرة ليست بوجود القوات الأجنبية أو انسحابها فحسب، وإنما بمدى قدرة الدولة على بناء شراكات تخدم مصالحها الوطنية وتعزز قدراتها الدفاعية.


ما المكاسب التي يمكن أن تحققها تشاد من هذا التعاون؟


يمكن لهذا التعاون أن يحقق لتشاد مكاسب متعددة تشمل الجوانب السياسية والعسكرية والأمنية. فعلى المستوى العسكري، قد يتيح فرصاً للاستفادة من الخبرات الفنية والتدريبية الفرنسية، وتعزيز القدرات اللوجستية، وتطوير آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يسهم في رفع كفاءة قوات الدفاع والأمن التشادية.


أما سياسياً، فقد يساعد هذا التعاون على تعزيز موقع تشاد في المعادلات الإقليمية والدولية، شريطة أن تكون بنوده واضحة، وأن تنطلق من المصالح التشادية وأولوياتها الاستراتيجية.


كيف يمكن لتشاد الاستفادة من الخبرات الفرنسية مع الحفاظ على سيادتها الوطنية واستقلال قرارها الدفاعي؟


في تقديري، لا ينبغي الخلط بين التعاون العسكري والتبعية السياسية، فال اتفاقيات الدفاع المشتركة ليست، في حد ذاتها، انتقاصاً من السيادة الوطنية. إذ تستفيد دول العالم، بمختلف مستوياتها الاقتصادية والعسكرية، من الشراكات الدفاعية وتبادل الخبرات مع الدول الأخرى، بما في ذلك الدول المتقدمة.


والمهم هنا هو طبيعة الاتفاق وشروطه وآليات تنفيذه، ومدى احتفاظ الدولة بحقها الكامل في اتخاذ قراراتها السيادية. لذلك، تستطيع تشاد الاستفادة من الخبرات الفرنسية وتطوير قدراتها العسكرية مع الحفاظ على استقلالية قرارها الوطني، ما دام التعاون قائماً على الاحترام المتبادل وتوازن المصالح.


هل يمكن لهذا التقارب أن يساعد تشاد في مواجهة التحديات الأمنية بمنطقة الساحل؟


من المؤكد أن هذا التعاون يمكن أن يسهم في تعزيز قدرة تشاد على مواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها، لا سيما في ظل تعقيدات البيئة الأمنية المحيطة بها.


أما على مستوى منطقة الساحل، فإن الاستفادة من القدرات التشادية يمكن أن تتجاوز حدود التعاون الثنائي، إذا جرى توظيفها ضمن أطر إقليمية مشتركة، من خلال اتفاقيات وآليات تنسيق بين الدول المعنية.

وبذلك، يمكن أن تتحول الشراكة إلى فرصة لتعزيز

التعاون الأمني الإقليمي والاستفادة من الخبرات والقدرات العسكرية التشادية في مواجهة التهديدات المشتركة، وفقاً لما تسمح به الاتفاقيات المعنية.


ما الضمانات الضرورية لضمان توازن المصالح بين البلدين، وعدم تحول الاتفاق إلى التزام يخدم طرفاً على حساب الآخر؟


في تقديري، يشكل الاتفاق الدفاعي نفسه الإطار القانوني والسياسي الأول الذي ينبغي أن تُبنى عليه ضمانات توازن المصالح بين البلدين، لكن التوقيع وحده لا يكفي.


إذ يتطلب الأمر وضوح الالتزامات المتبادلة، وتحديد مجالات التعاون وحدوده، واحترام السيادة الوطنية، ووضع آليات لمراجعة الاتفاق وتقييم نتائجه بصورة دورية. كما ينبغي أن تكون المصالح التشادية حاضرة بوضوح في مختلف مراحل التنفيذ، وأن يظل التعاون خاضعاً للأولويات الوطنية، بما يضمن أن تكون المكاسب متبادلة وألا يتحول التعاون إلى التزام أحادي الجانب.


في رأيك، ما الذي يجب أن تحققه تشاد من علاقتها الدفاعية مع فرنسا حتى يكون هذا التعاون في مصلحة البلاد؟


لقد أصبحت تشاد، خلال العقد الأخير، لاعباً محورياً في المعادلات الأمنية والإقليمية، وهو ما يفرض عليها العمل باستمرار على تعزيز قدراتها العسكرية وتطوير أدواتها في التعامل مع التحديات المحيطة بها.


ومن هذا المنطلق، فإن استئناف التعاون الدفاعي مع فرنسا يمكن أن يمثل فرصة استراتيجية مهمة لتقوية المؤسسة العسكرية التشادية، وتطوير قدراتها العملياتية واللوجستية، والاستفادة من الخبرات الفنية والاستخباراتية، بما يعزز قدرتها على حماية أراضيها وصون أمنها الوطني.


لكن نجاح هذا التعاون لا يُقاس بمجرد توقيع الاتفاقيات أو استئناف العلاقات، وإنما بما تحققه تشاد فعلياً من مكاسب على أرض الواقع. والمطلوب هو توظيف هذه الشراكة لبناء قدرات وطنية مستدامة، وتعزيز استقلالية القرار الدفاعي، وترسيخ مكانة تشاد الإقليمية، دون الوقوع في التبعية لأي طرف.


أرى أن مصلحة تشاد يجب أن تكون المعيار الأساسي لتقييم هذه العلاقة؛ فكل تعاون يعزز أمن البلاد، ويطور قدراتها، ويحافظ على سيادتها، ويمنحها هامشاً أوسع للتحرك في محيطها الإقليمي والدولي، يمكن اعتباره تعاوناً يخدم مستقبلها الاستراتيجي.


ثانياً: سعيد أبكر أحمد.. استئناف التعاون قد يعيد تشاد إلى التبعية الأمنية
ما أبرز مخاوفك من استئناف التعاون الدفاعي بين تشاد وفرنسا؟


الفكرة لا تتعلق بالمخاوف بقدر ما تتعلق باحتمال تكرار تجربة سيئة. فمن وجهة نظري، فرنسا لن تغيّر أسلوب تعاملها مع حلفائها، واستئناف التعاون يعني العودة إلى الاعتماد الأمني الكامل عليها، من دون شريك آخر يحد من هذه التبعية.


ويؤسفني أن نعود بهذه السرعة إلى أحضان فرنسا، بعدما اتجهنا نحو الاعتماد على الذات. فالمسألة لا تتعلق بمجرد استئناف علاقة ثنائية، وإنما بطبيعة الخيارات الاستراتيجية التي ينبغي أن تتخذها تشاد لضمان استقلال قرارها الدفاعي.


هل يمكن أن يؤدي هذا التعاون إلى تبعية عسكرية أو تقنية تحد من قدرة تشاد على تطوير منظومتها الدفاعية بصورة مستقلة؟


المسألة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة التي تسعى إلى تطوير قدراتها الدفاعية والطرف الذي تعتمد عليه في تحقيق ذلك. فمن وجهة نظري، لا تريد القوى الاستعمارية السابقة أن تتطور الدول التي كانت خاضعة لنفوذها، بل أن تظل معتمدة عليها في مختلف المجالات.


وها نحن، في تقديري، اخترنا التبعية. والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: ما الصناعات الدفاعية التي يمكن أن تستفيد منها تشاد من فرنسا؟


وما حجم نقل التكنولوجيا والخبرات الذي يمكن أن يتحقق فعلياً من خلال هذا التعاون؟


أرى أن المطلوب ليس الاكتفاء باستيراد الخبرات أو المعدات، بل بناء قدرات وطنية تمكن البلاد من تطوير منظومتها الدفاعية بنفسها. كما أن فرنسا نفسها تعتمد على منظومات وتحالفات دفاعية، بما فيها حلف شمال الأطلسي في بعض المجالات، وهو ما يطرح، في رأيي، تساؤلات بشأن طبيعة الاستقلال التقني الذي يمكن أن توفره هذه الشراكة لتشاد.


ما الدروس التي ينبغي أن تستخلصها تشاد من تجربتها السابقة في التعاون الدفاعي مع فرنسا؟


إذا كان هناك درس ينبغي أن نتعلمه، فهو أن تجربتنا مع فرنسا طوال 132 عاماً لم تجعلنا، في تقديري، أكثر قدرة على الاعتماد على أنفسنا. ولدي في ذلك شواهد أستند إليها.


ففي عام 1987، بنت فرنسا غرفة عمليات في مدينة موسورو، في إطار التعاون الدفاعي المشترك. وبعد انتهاء الحرب مع ليبيا بقيادة معمر القذافي، دُمّرت تلك الغرفة، وأُرسلت الرادارات إلى الغابون.


وفي الفترة الأخيرة، عندما ألغينا اتفاقية التعاون العسكري مع فرنسا، لم تترك لنا، بحسب ما أعلمه، معداتها القديمة، بل شحنتها إلى ميناء دوالا، ثم بيعت لاحقاً إلى جيبوتي.


هذه الوقائع، كما أراها، تؤكد أن الاعتماد على الشريك الخارجي لا يضمن بالضرورة بناء قدرات دفاعية وطنية مستدامة. ولذلك، ينبغي أن نستخلص الدروس من التجارب السابقة قبل الإقدام على أي اتفاق جديد، حتى لا نكرر الأخطاء ذاتها.


هل كان من الأفضل توجيه الجهود نحو تطوير القدرات الدفاعية المحلية وتنويع الشركاء بدلاً من العودة إلى التعاون العسكري مع باريس؟


نعم، أرى أن تشاد تمتلك مقومات مهمة تمكنها من تطوير قدراتها الدفاعية. فنحن من الدول الإفريقية التي تتمتع بخبرة معتبرة في مجال القوات البرية، وكان من الأجدر استثمار هذه الخبرة في تطوير المؤسسة العسكرية، وإنشاء أكاديميات عسكرية جديدة، وتوسيع مجالات التدريب والتأهيل.


كما كان ينبغي الاستفادة من التطورات العسكرية الحديثة، ولا سيما تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، والعمل على تطوير القوات الجوية، بالتوازي مع تنويع الشراكات الدفاعية مع الدول التي يمكن أن تقدم قيمة مضافة حقيقية.


المسألة في جوهرها تتعلق بالرؤية الاستراتيجية. وأعتقد أن غياب رؤية واضحة لتطوير القدرات الدفاعية الوطنية هو ما يجعلنا عاجزين عن استثمار الإمكانات المتاحة لدينا، رغم امتلاكنا مقومات مهمة للاعتماد على الذات.


ما الشروط التي يجب توافرها قبل المضي في أي تعاون دفاعي جديد مع فرنسا؟
أنا على قناعة بأن الدولة لم تدرس أسباب العودة إلى هذا التعاون بالقدر الكافي، ولو درستها جيداً، لما كررت الخطأ نفسه.


فمنذ زمن طويل، لا نتعامل مع الاتفاقيات، في تقديري، بالقدر المطلوب من التدقيق والتمحيص، ونقبل أحياناً بما يُعرض علينا من دون التحقق الكافي من انعكاساته على مصالحنا الوطنية.


لقد تغيرت الظروف، وأصبح من الضروري أن ندافع عن مصالحنا بوضوح. ومصلحتنا تقتضي أن تكون أي اتفاقية دفاعية عادلة، وأن تتضمن مكاسب حقيقية للبلاد، وأن تضمن نقل الخبرات والتكنولوجيا وتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية التشادية، لا تكريس اعتمادها على الخارج.


وأتساءل هنا: أين نص الاتفاقية حتى يتمكن الشعب من الاطلاع عليها ومناقشة بنودها، ويؤدي البرلمان دوره في مراجعتها وفقاً للأطر الدستورية والقانونية المعمول بها؟


فلا ينبغي أن يُحسم مستقبل التعاون الدفاعي من دون وضوح بشأن الالتزامات المتبادلة، والضمانات المتعلقة بالسيادة الوطنية، والنتائج المنتظرة على مستوى بناء القدرات الدفاعية المستقلة.


في رأيك، ما الذي يجب أن تحققه تشاد من علاقتها الدفاعية مع فرنسا حتى يكون هذا التعاون في مصلحة البلاد؟


ينبغي أن تكون مصلحة تشاد هي الأساس الذي تُبنى عليه أي علاقة دفاعية مع فرنسا أو غيرها من الدول. ولا يكفي أن نتحدث عن التعاون والشراكة؛ بل يجب أن نعرف ما الذي ستحققه البلاد فعلياً من هذه العلاقة.


إذا كان التعاون سيؤدي إلى تطوير قدرات الجيش التشادي، ونقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر الوطنية، وبناء منظومة دفاعية مستقلة، مع احترام السيادة الوطنية واستقلال القرار، فيمكن عندئذ مناقشة جدواه على أساس واضح.


أما إذا كان سيعيدنا إلى الاعتماد الأمني على فرنسا من دون مكاسب ملموسة، فإننا نكون قد كررنا تجربة كان ينبغي أن نتعلم منها.


وأرى أن الأولوية يجب أن تكون لبناء قدراتنا الذاتية، وتطوير صناعتنا الدفاعية، وتنويع شركائنا، والتعامل مع الاتفاقيات الدولية بمنطق المصالح المتبادلة لا بمنطق التبعية. فالعالم تغير، وعلى تشاد أن تستفيد من هذا التحول لتوسيع خياراتها الاستراتيجية، بدلاً من حصر مستقبلها الدفاعي في شريك واحد.


بين الشراكة والاستقلال الدفاعي.. أين تكمن مصلحة تشاد؟


تكشف وجهتا النظر عن اختلاف جوهري في تقييم مستقبل التعاون الدفاعي بين تشاد وفرنسا؛ إذ ينظر المستشار محمد يوسف الحسن إلى استئناف التعاون بوصفه فرصة للاستفادة من الخبرات العسكرية وتعزيز القدرات الوطنية، شريطة ضمان توازن المصالح واحترام السيادة، بينما يحذّر الباحث السياسي سعيد أبكر أحمد من أن العودة إلى الشراكة السابقة قد تعيد إنتاج الاعتماد الأمني على باريس، داعياً إلى الاستثمار في القدرات المحلية وتنويع الشركاء.


وبين الموقفين، يظل السؤال الأساسي متعلقاً بمدى قدرة تشاد على تحويل أي اتفاق دفاعي إلى مكاسب ملموسة ومستدامة، سواء من خلال التدريب ونقل التكنولوجيا وتطوير التجهيزات العسكرية، أو عبر بناء مؤسسات دفاعية أكثر استقلالية وقدرة على مواجهة التحديات الأمنية.


كما تبرز مسألة الشفافية بشأن بنود الاتفاقيات وآليات تنفيذها وتقييم نتائجها باعتبارها عنصراً أساسياً في النقاش حول مستقبل هذه العلاقة، بما يتيح تقدير مدى توافقها مع المصالح الوطنية التشادية.


وفي نهاية المطاف، لن يكون معيار نجاح أي تعاون دفاعي هو مجرد استئناف العلاقات أو توقيع الاتفاقيات، بل ما إذا كان سيعزز قدرة تشاد على حماية أراضيها، وتطوير قواتها المسلحة، وصون سيادتها، واتخاذ قراراتها الدفاعية بصورة مستقلة.