كتب: الأديب روزي جِدي

ما أقدم عليه وزير التربية الوطنية، الدكتور محمد أحمد الحبو، هو تطبيقٌ للدستور. وقد امتلك جرأةً تُشكر له، نظرًا إلى خوف الآخرين من الإقدام على هذه الخطوة.

منذ سنوات وأنا أسمع اتهاماتٍ موجَّهة إلى الرجل، منها أنه كارهٌ للغة العربية، بل وللإسلام أيضًا! وهي تهمٌ ساذجة لمن بحث في أسبابها. سمعتُ هذه التهمة أيام النقاشات الحادة في جامعة الملك فيصل. وقتها كنتُ طالبًا في كلية الحقوق، متحمسًا للقوانين، وأدخل في نقاشات مع طلاب الشريعة الذين كانوا يشاركوننا الفصول، والأشجار، وفناجين الشاي، ووجبات اللوبيا والمديدة التي كان يقدمها مركز الخدمات الجامعية. وكانوا يعتبروننا “ملاعبين” لأننا ندرس القوانين الوضعية.

بعد ذلك بسنوات، بحثتُ في الأمر، فاكتشفتُ أن ما يُقال عن الرجل مجرد إشاعات وأخبار مضللة.يُتَّهم الحبو بأنه هو من حذف مادة التربية الإسلامية من المناهج الدراسية. وقد انتشرت هذه الإشاعة كالنار في الهشيم، كما تقول العرب، وصار الرجل عدوًّا للغة العربية والدين الإسلامي، مع أنه مسلم ويتحدث العربية!

ولو رجعنا إلى القرارات لوجدنا أن قرار حذف المواد اتُّخذ في 19 أبريل 1993، في عهد وزير التربية والتعليم العالي فيديل منقار. ثم طُبِّق القرار في عهد وزيري التربية والتعليم العالي: السيد مكاي تيسو، وأصيل غزالي، وبتوجيه من جامعة تشاد – جامعة أنجمينا حاليا – وعلى رأسهم مهندس الفكرة قاليه أنقوتيه نغانا؛ وهو رجل يجيد العربية والفرنسية، بل هو من الجنوبيين القلائل الذين يتقنون العربية الفصحى.

وصل الحبو إلى الوزارة سنة 1994، فوجد الأمر قد طُبِّق بالفعل، لكنه واجه مظاهرات نظمها الدارسون بالعربية من دون فهمٍ لما حصل. وكان هناك رجلٌ مهم خدم اللغة العربية في تشاد، وهو الذي حرّك تلك المظاهرة. وقد كان الحبو هو من أتى بالحل الوسط، وهو الإبقاء على درجات المواد الإسلامية في الشهادة، حتى يستفيد منها الدارسون بالعربية في الجامعات الإسلامية والكليات الموجودة في الدول العربية؛ إذ إن أغلب الدارسين باللغة العربية في ذلك الوقت كانوا يفضلون التخصص في الدين واللغة. 

وفي المقابل، جرى إلغاء احتساب تلك الدرجات في معادلة الشهادة الثانوية داخل بلدٍ علماني لا يمكنه أن يحتسب درجات دروس الإسلام والمسيحية معًا. علمًا بأن هذه الدرجات نفسها كانت تسبب مشكلات لطلاب العربية الذين يذهبون إلى دول أوروبا.

وبحسب علم النفس، فإن تكرار الكذبة يدخلها في دائرة “الحقيقة الوهمية”، والناس تصدق ما تسمعه مرارًا. ثم هناك أيضًا مسألة الانتماء والهوية، التي كانت الدافع لخروج مظاهرة كبيرة دفعت الرئيس إلى أن يقول: “امنحوا هؤلاء الشيوخ ما يريدون”. فالناس رأت أن هويتها معرضة للخطر.

وأخيرًا، فإن الانحياز التأكيدي (confirmation bias) كان أمرًا طبيعيًا ومفهومًا قبل سنوات؛ فالناس تميل إلى تصديق ما يتوافق مع معتقداتها وأفكارها ورغباتها. ومن السهل أن يصدق الناس أن شخصًا ما يعاديهم وينوي الشر بدينهم ولغتهم، بدلًا من أن يعترفوا بأنه لا بأس في ألا تُحسب تلك الدرجات، لأننا في دولة علمانية، ولا ينبغي أن تسمح للمسلمين بما لا تسمح به للكاثوليك والبروتستانت، (الذين يدرسون الإنجيل حتى اليوم في المدارس).

اليوم جاء الرجل بحل هو الأمثل. واليوم هو الذي ألزم الفرنكفونيين بتعلم العربية، وهو ما يقوله الدستور التشادي. وأذكر أننا كنا مجبرين على خوض امتحان مادة اللغة الفرنسية، ومعادلها 4، رغم أننا درسنا بالعربية في مدارس عربية، بينما كان للدارسين بالفرنسية حق الاختيار بين الإنجليزية والعربية، ومعادل كل منهما 2. وما كان يحدث يدل على معاملة خاصة كانت تقدمها الدولة ومنظومتها للدارس بالفرنسية.

أما الآن، فعلى الجميع أن يمتحن في اللغتين الرسميتين للبلاد، وأن يتعلمهما.الرجل لديه أخطاء، كما أن لدينا جميعًا أخطاء، وربما كانت أخطاؤه أكثر منا، بحكم كونه أحد الكوادر خلال الثلاثين سنة الأخيرة في بلادٍ لم يقدم السياسيون فيها شيئًا مفيدًا لهذا الشعب المسكين. لكن علينا ألا نحمله أوزار الآخرين، وعلينا أن نقدّر هذه الخطوة التي أقدم عليها؛ فهي تؤكد أنه رجل شجاع.